الطهارة والتيمم | قناة الواقية | Al Waqiyah TV

الطهارة والتيمم درس للشيخ يوسف مخارزة الحمد لله رب العالمين، محمد سيد المرسلين، ثم أما بعد. أيها الإخوة الكرام، تكلمنا في درسنا الماضي في جانب من آية من آيات الله سبحانه، وبقي أن نتم ما بقي منها، ونقرأ هذه الآية تذكيراً بها، ثم نبدأ من حيث وصلنا بإذن ا...

أحكام الطهارة في الإسلام، كيفية التيمم، المسح على الخفين، تفسير آية الوضوء، قصة نزول التيمم، السيدة عائشة، شفاء العي السؤال، الفقه الإسلامي.

الطهارة والتيمم

إعجابات: 0 (0%)
نشر بواسطة: LB | التاريخ: 04/20/2026 | المشاهدات: 9

الطهارة والتيمم

درس للشيخ يوسف مخارزة

الحمد لله رب العالمين، محمد سيد المرسلين، ثم أما بعد. أيها الإخوة الكرام، تكلمنا في درسنا الماضي في جانب من آية من آيات الله سبحانه، وبقي أن نتم ما بقي منها، ونقرأ هذه الآية تذكيراً بها، ثم نبدأ من حيث وصلنا بإذن الله تعالى. هذه الآية الكريمة نزلت في الطهر الذي ينبغي أن يكتسي به عباد الله عندما يقبلون على عبادة هي أجل العبادات في الإسلام وهي الصلاة. فالمسلم عندما يقف بين يدي ربه لابد أن يكون طاهراً، طاهراً من كل حدث كبيراً كان أم صغير، مطهراً لكل ما يتصل به من لباس ومكان. فالله عز وجل تكون عبادته بالتلبس بالطهر، فالله يحب المتطهرين ويحب ما يأتونه من أعمال الطهارة. وقد بين الله عز وجل في هذه الآية أن المسلم إن هو عزم على الصلاة ونوى أن يقوم بها وتهيأ لها، لابد له من أن يقوم فيغسل وجهه ويديه إلى المرافق ويمسح برأسه ويغسل رجليه إلى الكعبين.

فقد تكلمنا في درسنا الماضي في شيء من هذه الآية وما يتصل بها حتى وصلنا إلى قول الله تعالى: "وأرجلكم إلى الكعبين". وهذا هو الركن الخاتم من أركان الوضوء، فالمسلم لابد له من أن يغسل رجليه غسلاً يصل إلى الكعبين حتى يتم غسل الرجلين. والكعبان هما العظمان الناتئان في أعلى القدم ومنتهى الساق، عظمان ناتئان عن اليمين وعن اليسار يسميان الكعبين، ويسميهما الناس الرمانة أو الرمانتان. هذان هما الكعبان، وليس الكعب هو ما تداس به الأرض من مؤخر القدم كما يظن العوام.

وهناك قراءة "وأرجلِكم إلى الكعبين" واستدل بعض العلماء بها على أن المطلوب هو المسح، لكن السنة مضت وثبتت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغسل قدميه، والصحابة كانوا يفعلون ذلك من بعده والتابعون، فاستقرت السنة على الغسل. وجمع بعض العلماء بين القراءتين فقالوا إن الغسل والمسح يجتمعان؛ الغسل بإراقة الماء على القدم والمسح بتعميم اليد على كل مناطق القدم. ومنهم من قال أن المسح على الخفين مشمول بهذه الآية، فالمسلم إن هو لبس الخفين أو الجوربين أو وضع اللفائف على قدميه فإنه يجوز له أن يمسح عليهما، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته إذا كان لابساً على رأسه ويمسح على الخفين.

والمهم أننا نرى أن هذه الأحكام الفروعية ليس من السهل أن يجتمع العلماء على رأي واحد فيها، والأصل أن نتعلم من هذا أن الإسلام في فروعه فيه فسحة للاختلاف، وفسحة لأن تكون الآراء متعددة ولا ينبغي أن يقوم النكير على المخالف ما دام يتبع عالماً اجتهد اجتهاداً له وجه من الوجوه. "وإن كنتم جنباً فاطهروا"، حيث إن ما سبق من الآية في أركان الوضوء، الآية ذكرت الآن أن المسلم إذا كان مجنباً وأراد أن يصلي يجب أن يتطهر، والتطهر من الجنابة يكون بالاغتسال.

لكن الماء لا يتوفر دوماً، لذلك ذكر الله عز وجل حالات يفتقد فيها الماء فقال: "وإن كنتم مرضى أو على سفر"، يعني في حالة المرض والسفر قد يُفقد. في المرض قد يكون استخدام الماء مؤثراً في زيادة العلة والمرض، فالإنسان المريض بأمراض جلدية أو أمراض فيها جراحات مفتوحة، فإن دخول الماء إلى عمق الجرح قد يضر بالمريض، لذلك عفا الله عن المريض في موضوع الغسل إذا كان يؤدي إلى ضرر فيكفيه أن يأخذ بالتيمم. كذلك المسافر الواجب عليه أن يغتسل من الحدث إن هو أحدث الحدث الأكبر، هذا المسافر إن لم يجد الماء (لأن الماء غالباً ما يفتقد في السفر، إما أن يفتقد بالكلية أو يكون المسافر معه ماء قليل يسير يريد أن يشرب منه وأن يستخدمه لطعامه) فهذا أيضاً كفاقد الماء، بل يتيمم ويحتفظ بالماء ليشرب منه.

وكذلك الذي يحدث الحدث الأصغر إن لم يجد الماء أيضاً يتيمم. لأن الله قال: "أو جاء أحد منكم من الغائط"، فالمجيء من الغائط أي المكان المنخفض، وهو كناية عن ذهاب الرجل لقضاء حاجته. فالناس لم يكن لديها في السابق مراحيض، كان الناس يذهبون إلى الوديان وإلى المناطق المنخفضة ليستتروا عندما يتخلون ويقضون حاجاتهم، فصاروا يكنون عن ذلك بـ "جاء من الغائط". فإذا قضيت حاجتك وبذلك تكون قد أحدثت فانتقض وضوءك فلم تجد الماء، فإن التيمم يجزئك ويكفيك.

كذلك "أو لامستم النساء" وهذه كناية أخرى، الملامسة هاهنا يقصد بها الجماع، لماذا؟ لأن الملامسة فيها مشاركة من طرفين، والتي فيها مشاركة من طرفين تفيد الجماع وليست مجرد اللمس باليد أو بالجلد. فمن أتى امرأته ولم يجد الماء ليتطهر فإن التيمم يجزئه. ومن أتى امرأته وكان الماء يضره، كأن يكون به داء في جلده يزداد بالماء أو كان فيه شجاج أو جرح مفتوح ويضره الماء فإن له أن يتيمم.

الرسول صلى الله عليه وسلم بلغه نبأ أحد الصحابة كان قد شُج في معركة فأجنب، وقال لأصحابه أتعرفون لي رخصة في التيمم؟ قالوا لا نعلم رخصة لك في التيمم، فاغتسل فدخل الماء في رأسه فمات. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "قتلوه قتلهم الله" (أو قاتلهم الله)، لأنهم أغلقوا الباب في وجهه وقالوا لا نعلم لك رخصة، والأصل أن يقولوا قد يعلم غيرنا فسل غيرنا، لكن جعلوا أنفسهم منتهى العلوم فأفتوه بما أهلكه وقتله. وهذا قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "ألا سائلوا إذا لم يعرفوا فإنما شفاء العي السؤال". يعني المسلم إذا فاته أمر من العلم ولم يعرفه عليه أن يتعب في السؤال ويبحث عنه.

الرسول صلى الله عليه وسلم اعتبر الجهل في الدين مرض، واعتبر العلم دواء، واعتبر السؤال طريقاً للاستشفاء. يعني الذي لا يعرف مريض بمرض اسمه الجهل، وحتى يتداوى يجب أن يسأل. "أو لامستم النساء"، قلنا إن ملامسة النساء هي الجماع، قال بعض أهل العلم بل هي مجرد اللمس وبذلك قالوا إن لمس المرأة ينقض الوضوء، وهناك علماء آخرون قالوا بل إن لمس المرأة مجرد لمس لا ينقض الوضوء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه قبل إحدى زوجاته ثم قام فصلى، ولو كان مجرد اللمس ينقض الوضوء لما قام فصلى. إذاً، الأحكام الفروعية هي محل الاختلاف بين العلماء ولا يجوز أن يقوم الاستهجان والنكير في المسائل الفرعية الخلافية فهذا اختلاف طبيعي. وكل آرائهم خير فمن شاء فليقلد من يراه أعلم من الآخر.

"فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً"، والتيمم في لغة العرب هو القصد كما يقال "يممت وجهي" أي قصدت. "صعيداً طيباً" الصعيد وجه الأرض، وطيباً يعني خالٍ من الخبائث (منطقة طاهرة). "فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه"، يعني المسلم في حال فقده للماء يغشى وجه الأرض في مكان طاهر ويضرب بكلتي يديه يمسح وجهه أولاً بهما ثم يمسح يديه. هذا التيمم شرعه الله عز وجل طهرة لنا وتخفيفاً علينا حال فقد الماء. فنحن من ماء ونحن من تراب، الله عز وجل خلقنا من ماء وخلقنا من تراب، فمن الطبيعي أن تكون الطهارة بهما.

قصة نزول آية التيمم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفر هو وأصحابه، ويبدو أنه راجع من غزوة، ففقدت عائشة أم المؤمنين عقداً لها في الليل كان لأسماء أختها. فراحت تبحث عنه ولم تجده، فتأخر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحابة والجيش حتى يجد لها عقدها، وجلست ووضع الرسول رأسه في حجرها فنام. ونظر أبو بكر الصديق فغضب غضباً شديداً، كيف فعلت ابنته هذا الفعل وأخرت المسلمين جميعاً من أجل عقدها! فما كان منه إلا أن جاءها فلكزها في خاصرتها بغضب، قالت: إن بي الموت لولا أن رسول الله في حجري. تألمت كثيراً ولكنها امتصت الوجع حتى لا تزعج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الآن استيقظ الرسول وكان الفجر قد أطل فأراد أن يصلي بالناس فبحثوا عن الماء فلم يجدوه، فنزلت آية التيمم في تلك الليلة فتيمم الصحابة. فقال الصحابي أسيد بن حضير: "ما كانت هذه أول بركتكم يا آل أبي بكر"، يعني الأمر الذي جرى معها كان سبباً في التيسير على المسلمين إلى يوم القيامة. أحياناً يكون الحادث سبباً في أمر طيب يقع للمسلمين، يكون الإنسان يضيق صدره بهذا التأخير فلعل الله يجعل له بها خيراً. فالله عز وجل عندما شرع التيمم قال: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم". أسأل الله رب العالمين أن يكرمنا وإياكم بطاعته ويجعلنا من الطاهرين المتطهرين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الجمعة 30 ذو القعدة 1447 هـ الموافق 17 نيسان 2026م

 


الفئات:
» خطب ودروس
» خطب ودروس » دروس منوعة

قنوات:
برامج الواقية

العلامات: أحكام الطهارة في الإسلام، كيفية التيمم، المسح على الخفين، تفسير آية الوضوء، قصة نزول التيمم، السيدة عائشة، شفاء العي السؤال، الفقه الإسلامي. |