شؤون الأمة || القدرية الغيبية | قناة الواقية | Al Waqiyah TV

شؤون الأمة || القدرية الغيبية الشيخ عدنان مزيان محاوراً الأستاذ أحمد القصص 21/10/2017 يأتيكم البرنامج كل سبت عند ال21:30 بتوقيت المدينة المنورة. https://youtu.be/ZUDXX5lWQ8I | #قناة_الواقية : انحياز إلى مبدأ الأمة |

شؤون,الأمة,||,القدرية,الغيبية,الشيخ,عدنان,مزيان,محاوراً,الأستاذ,أحمد,القصص,21,10,2017,يأتيكم,البرنامج,كل,سبت,عند,ال21:30,بتوقيت,المدينة,المنورة.,https:,youtu.be,zudxx5lwq8i,|,#قناة_الواقية,:,انحياز,إلى,مبدأ,الأمة,|

شؤون الأمة || القدرية الغيبية

إعجابات: 0 (0%)
نشر بواسطة: LB | التاريخ: 11/01/2017 | المشاهدات: 59

الحلقة: شؤون الأمة || القدرية الغيبية.

عدنان مزيان: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: ربي اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا إنك تجعل الحزن إن شئت سهلا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا أرحم الراحمين، أعزائي المشاهدين، أيها الإخوة والأخوات نحييكم دائما بتحية أهل الجنة تحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونرحب بكم في حلقة جديدة من برنامجكم "شؤون الأمة" ونذكركم بالتواصل معنا على مواقع قناة الواقية عبر اليوتيوب وكذلك عبر الفيس بوك، موقع "الواقية دوت تي في"، معنا في هذه الليلة موضوع عقدي، فكري ذو ارتباط بالسياسية وشؤون الأمة هو موضوع "القدرية الغيبية" ما هو الفهم المتعلق بالقدر والغيب الذي يمكن أن يؤثر في سياسة الأمة أفراد وجماعات وأحزاب، سواء على مستوى الدعاة، أو المثقفين، أو المؤثرين في حياة الأمة وتوجيهاتها وكذلك العاملين للتغير، وربما العاملين في التخدير، هذا ما سوف نناقشه مع أستاذ وشيخ مميز هو ضيفنا لهذه الحلقة من طرابلس مباشرة الأستاذ: أحمد القصص، أستاذنا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحمد القصص: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. شكرا جزيلا لاستضافتكم هذه، أكرمكم الله.

عدنان مزيان: الله يبارك فيك. طبعا لك حلقة مباشرة أسبوعية في شرح كتاب نظام الإسلام، وكتاب نظام الإسلام تعرض لمسألة القضاء والقدر وطبعا ضمن الشرح تكلمت عن "القدر" منفصلا وعن "القضاء" منفصلا.

اليوم وأنت أهل الاختصاص في هذا الباب نريد أن نتحدث في مسألة متعلقة في موضوع القدر والإيمان بالغيب وهو "القدرية الغيبية" الله –سبحانه وتعالى- قد امتدح أهل الإسلام بأنهم يؤمنون بالغيب، وهذه ميزة خصت بها هذه الأمة هي موجودة في الأمم السابقة ولكنها خاصة بهذه الأمة خصوصية لا سيقة الله –سبحانه وتعالى- في بداية سورة البقرة قال –تعالى-: "ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب"، فالإيمان بالغيب، والإيمان بأن الله –سبحانه وتعالى- قد قدر أمورا وهي ستكون كما علمها، هذا ركن من أركان الإيمان بالله –سبحانه وتعالى- فمن أين جاء مفهوم "القدرية الغيبية"، وهذا المفهوم مركب لو تفككه لنا ثم ندخل بعد ذلك في التفاصيل ما معنى "القدرية الغيبية"؟ وما هو أثرها على سلوك المسلمين؟

أحمد القصص: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، لا شك في أن المسلمين متفقون على أن الإيمان بالقدر هو مما طلبه الله-سبحانه وتعالى- من المسلمين، وقد ورد الإيمان بالقدر في كتاب الله-عز وجل- في آيات متعددة، وهو المعنى نفسه الذي ورد في حديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- حين قال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر" حين سمع الصحابة الآيات عن القدر وهذا الحديث عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- عن القدر، لم يسبب إشكال عندهم كما سبب في أجيال لاحقة فيما بعد، حيث دخلت منهجية علم الكلام على أذهان المسلمين وراحت بهذه العبارات عن معانيها اللغوية البسيطة الواضحة إلى تأويلات كلامية لا ترتبط بالمعنى اللغوي الذي ورد في كتاب الله وسنة نبيه-صلى الله عليه وسلم-.

حين نقرأ عن القدر في كتاب الله-عز وجل- نجد أن المقصود بالقدر الذي طلب الإيمان به، بالطبع كلمة "قدر" في اللغة العربية، وكذلك في القرآن والسنة وهما عربيان "إنا أنزلناه قرآنا عربيا"، كلمة قدر في اللغة العربية لها معان متعددة لسا بصدد أن نحصي هذه المعاني الآن، فليس المطلوب حين قال –عليه الصلاة والسلام- الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر" فليس المقصود هنا أن تؤمن بأي معنى للقدر! ولا بكل معاني كلمة القدر، لأن الإيمان لا يكون بألفاظ وإنما يكون بمعنى محدد، فالمعنى الذي حدد الإيمان به في هذا الحديث، وفي آيات أتت بهذا المعنى، إنما هو أن تؤمن بأن الله-سبحانه وتعالى- علم كل شيء منذ الأزل، وكتبه في اللوح المحفوظ، فالقدر الذي أمرنا أن نؤمن به هو أن نؤمن أن الله-سبحانه وتعالى- من كمال صفاته أنه علم كل شيء قبل وقوعه، وأنه –سبحانه- كتب كل ما علمه في اللوح المحفوظ فكان الكتابة في اللوح المحفوظ وأيضا عبارة القدر كناية عن علم الله –تعالى- الأزل.

هذا هو المعنى لكلمة القدر، وهذا هو القدر الذي أمرنا أن نؤمن به.

عدنان مزيان: هو ما كتب في اللوح المحفوظ منذ أن خلق الله اللوح المحفوظ! يعني أمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

أحمد القصص: تمام، هناك حديث أنه أول ما خلق الله-سبحانه وتعالى- القلم وقال له: "أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" أو كما قال –عليه الصلاة والسلام-، فهذا هو المعنى الذي أمرنا أن نؤمن به.

أما ما ورد من معان أخرى أو وردت كلمة قدر في معان أخرى فليست هي للخطاب في الإيمان يعني ورد على سبيل المثال في الكلام على أحد المشركين، على أحد صناديد المشركين، والأرجح أنه "الوليد ابن المغيرة" إنه "فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر" هنا التقدير أو القدر قتل كيف قدر هنا ليس بالمعنى الذي أمرنا أن نؤمن به وإنما بمعنى أنه جهز في ذهنه، وقدر في السرد الله-سبحانه وتعالى- خاطب نبيه –عليه السلام- داود –عليه السلام- وقال له: "قدر في السرد" أي ضع المواد بشكل دقيق وعلى قدر معين وليس هنا بمعنى القدر الذي أمرنا أن نؤمن به. إذا المقصود الذي أمرنا أن نؤمن به هو: أن الله-سبحانه وتعالى- قدر كل شيء أي علم كل شيء، فمما ورد في هذا المعنى مثلا: قوله –عز وجل في زوجة لوط -عليه السلام- "إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين"، أو "قدرناها من الغابرين"، أي علمنا منذ الأزل إنها من الهالكين، فهذا هو القدر الذي أمرنا أن نؤمن به. هذا القدر بهذا المعنى لا يفيد كما يفهم كثير من الناس أن الإنسان مسير بقدر الله-سبحانه وتعالى- للأسف أنه أتت بعد ذلك بعض أجيال المتكلمين لتخبر الناس إن القدر يفيد الإيجاد، أي أن الله-سبحانه وتعالى- قدر الشيء أي أوجده، وقرر إيجاده، وهناك من أعطى هذا المعنى لكلمة القضاء، وهناك من أعطاها لكلمة القدر. فعلى سبيل المثال: الأشاعرة أعطوا القدر معنى والقضاء معنى آخر، والمريدية عكسوا فجعلوا القدر بمعنى القضاء عند الأشاعرة، والقضاء بمعنى القدر عند الأشاعرة، ولكن بالمجمل هم فهموا من القدر أنه خلق الأفعال، وأنه إيجاد الأفعال والحقيقة هي غير ذلك! فالله-سبحانه وتعالى- حين علم منذ الأزل أي قدر منذ الأزل أن فلان سيؤمن، وأن فلان سيكفر وأن فلان سيهتدي وأن فلان سيضل، هذا مجرد علم أي انكشاف لله –سبحانه وتعالى- وليس إيجادا للإيمان والكفر، وليس إيجادا للهدى والضلال فحين يقول أن الله-سبحانه وتعالى- كما وردت في الآية التي ذكرتها حين يقول الله-سبحانه وتعالى-: "إلا أمرأته قدرنا إنها لمن الغابرين" التقدير هنا بمعنى الإجبار والإلزام، وليس بمعنى أن الله-سبحانه وتعالى- هو الذي أوجد هلاكها أو أوجد كفرها، يعني وبالتالي هلكها مع الكافرين. وإنما يعني فقط أن الله-سبحانه وتعالى- علم وعلم الله-عز وجل- ليس مؤثرا في أفعال العباد، علمه هو انكشاف كما تقول أن الله-سبحانه وتعالى- سميع فهو يسمعنا الآن يسمع ما نقول، فكون الله –سبحانه وتعالى- يسمع ما نقول الآن هذا لا يعني أن الله-عز وجل هو الذي انطقنا بهذا الكلام، وإنما نحن تكلمنا بإرادتنا، وحين نقول إن الله-سبحانه وتعالى- بصير فيبصر ويرى ما نفعله الآن فهذا لا يعني أن فعلنا نتج عن بصره –سبحانه وتعالى- وكذا هو يعلم منذ الأزل وعلمه هذا ليس هو الذي أوجد فعلنا وإنما العلم هنا مجرد انكشاف للأشياء كلها، لله سبحانه وتعالى- ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة وما بعد يوم القيامة.

عدنان مزيان: نعم، يعن أن تقصد أن علم الله-سبحانه وتعالى- يكشف أفعال الإنسان سواء كانت جبرية أو اختيارية، ولا يجبر الإنسان إن علم الله أن إنسان سيصلي فعلم الله لم يجبره على الصلاة وإن علم أنه سيعصي ويترك الصلاة، فذلك ليس اجبارا وإن كان بالمجل الله-سبحانه وتعالى- هو خالق كل شيء وخالق الإنسان وذاته، وبالتالي أفعال الإنسان مخلوقة ضمنا من خلق الله، ولكن لا علاقة لهذا بالإجبار وبالاختيار، الموضوع متعلق بإرادة الإنسان.

أحمد القصص: حين نريد أن نبحث ما هو الذي، ما الذي يفعله الإنسان مختارا وما الذي يفعله مجبرا فهذا بحث آخر لا يبحث من خلال الإيمان بالقدر، فالإيمان بالقدر شيء، والنظر في الإنسان هل هو مسير أو مخير شيء آخر، وحين النظر في أفعال العباد لمعرفة هل هو يقوم بها باختياره أم هو يقوم بها مجبرا؟ نجد بكل بساطة أن الإنسان تقع أفعاله أو الأفعال التي تقع عليه كلها تقع ما بين دائرتين دائرة لا يسيطر عليها الإنسان بل هي تسيطر عليه، فالأفعال التي تقع منه فيها أو الأفعال التي تقع عليه فيها هو لا يختارها فهو مجبر مسير فيها كشأن الإنسان يولد دون أن يستشار ودون أن يكون له قرار ويموت كذلك دون أن يختار، ولا يملك إلا أن يحيي بأسباب العيش فلا يملك أن يعيش دون هواء، ودون ماء، ودون طعام، ودون دفئ، فهذه كلها أمور تقع على الإنسان في الدائرة التي تسيطر عليه.

أما الدائرة أخرى التي يسيطر عليها الإنسان ويقوم فيها بأفعاله مختارا فيحاسب عليها عند الله-سبحانه وتعالى- فهي مجموعة من أفعاله يرى أنه قرر أن يقوم بها فقام بها فالإنسان يمشي ويتوقف ويعمل هذا ويشتري ذاك وإلى آخره، وكذلك الإنسان تعرض عليه الهداية فيقرر أن يهتدي أو أن يضل، يعرض عليه الإسلام والإيمان فيقرر أن يؤمن أو أن يكفر، يعرض عليه أن يطيع الله-سبحانه وتعالى- فيطيع أو يعصي، قال –تعالى-: "إنا هديناه السبيلا إما شاكرا وإما كفورا" فالله-سبحانه وتعالى- قدم له الهداية عرفه طريق الحق فهو بعد ذلك إما أن يشكر ويؤمن وإما أن يكفر، "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" فالله-سبحانه وتعالى- هنا رتب الإيمان والكفر على مشيئة الإنسان، وبالتالي على هذا الأساس هو يحاسب عند الله يوم القيامة.

عدنان مزيان: هذه المسألة، نعم، هذه المسألة واضحة لكن لو رجعنا إلى التاريخ سنجد أن استحضار مفهوم القدر، والإيمان بأن ما قدره الله-سبحانه وتعالى- وما علمه هو كائن لأن علم الله لا يخطأ فاستحضار هذا الأمر في بعض الأحيان كان يحدث التباسا حتى عند بعض الصحابة! يعني الحادثة المشهورة سيدنا أبو عبيدة بن الجراح- عندما نهاه سيدنا –عمر بن الخطاب- أن يدخل الأرض التي فيها الطاعون فقال: أفرارا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم بين له المثال المعروف، في زمن الأموين عندما خرج سيدنا-معاوية- يقول للناس كي يبين أن لولا أن الله –سبحانه وتعالى- قد قدر وأراد وأدخل القضاء هنا "نحن بني أمية قضاء الله عليكم، فارضوا بقضاء الله" يعني لولا أن الله يريد هذا لما تم، احتج أيضا بإرادة الله ليس فقط بعلمه.

اليوم نسمع من مشايخ، ومن مشايخ درسوا العقيدة وربما لديهم كتب في العقيدة قالوا لبعض الدعاة هل ترى أن الله-سبحانه وتعالى- إن أراد الخلافة أن تكون غدا تكون رغم البشرية أم لا؟ قال: نعم، قال: فإن لم يردها أن تكون غدا سواء عملت لها أم لا ستكون أم لا؟ ستقول لا. فإذا دع الأمر لله-سبحانه وتعالى- فما يريده الله سيكون في وقته لا تتعب نفسك بالعمل! هذا المفهوم يعني الخطورة أو الخلل من أين جاء، نحن نعلم أن الصحابة كانوا يأخذون أخبار الفتوحات وأخبار الخير، وأخبار ربما حتى الفتن وما شاكل يأخذونها على محمل يأخذهم للعمل وليس على القعود، متى بدأت ربما لا أدري تاريخيا انتشرت فكرة "القدرية الغيبية"؟ وربما لو تفككها لنا يعني كمصطلح ثم  تدخل بهذا المجال.

أحمد القصص: نعم، الآن بعد أن أوضحنا معنى القدر أنه هو علم الله-سبحانه وتعالى- الأزلي المدون في اللوح المحفوظ نزيل الالتباس بين هذا الإيمان وبين ما سمي فيما بعد بالقدرية الغيبية، وهي ما أشرت إليه قبل قليل أن بعض الناس نظر إلى القدر الذي هو واقع حتما، حين الله-سبحانه وتعالى- حين يعلم الله-سبحانه وتعالى- شيئا فعلم الله لا يخطأ وبالتالي هو واقع حتما. هذا الترتيب المنطقي عند بعض الناس أخذوا هذا الأمر أي استنتجوا وفق تفكير منطقي استنتجوا أن ما قدره الله-سبحانه وتعالى- حاصل ولا مدخل لإرادة الإنسان في هذا الأمر هنا وقع الخطأ، يعني لطالما ضربنا مثالا من أجل توضيح الأمر وإزالة الالتباس فنقول:

أريت لو أن استاذا كان يجري امتحانات لطلابه وهو أثناء إجراءه لهذا الامتحان أدرك أن فلانا سينجح وأن فلانا سيرسب وكانت النتيجة فعلا أن من أدرك، أن من قدر أن سينجح نجح وأن من قدر أنه سيرسب رسب، مع فارق تقدير، مع الفارق بتقدير العبد وتقدير الله-سبحانه وتعالى- وإنما هي لتقدير، لتقريب إلى الأذهان!

فهل كان الأستاذ مؤثرا بهذا التقدير حين رسب من رسب، ونجح من نجح؟ لا.

وإنما هو مجرد علم، علم أن فلانا عمل وتعب واشتغل وأنه قادر على النجاح، ورآه يكتب جيدا فعلم أنه سينجح، ورأى فلانا لا يهتم ولم يقم بالواجب وإن الفكرة من الفصول لم تصله فأدرك أنه سيرسب! ولكن في كلا الحالين الذي رسب بتقصيره والذي نجح نجح بجهده، فإدراك الأستاذ سلفا هذا لا يعني أنه هو الذي أثر في فعل هذا أو في فعل ذاك. فحين يقدر الله –سبحانه وتعالى- شيئا من جديد نعود فهذا لا يعني أنه أثر في أفعال العباد.

أما "القدرية الغيبية" فما الذي فعلته "القدرية الغيبية" نظرت إلى القدر على أنه إلزام! أي إن فعل العبد ناتج عن القدر، فالقدر هو الذي جعل فلانا يؤمن، وهو الذي جعل فلانا يكفر، وبالتالي يلغي أي إرادة للإنسان في أن يقرر الهدى أو الضلال، وراحوا يستدلون بالآيات التي ينسب الله-سبحانه وتعالى- الهدى فيها لنفسه، وينسب فيها الاضلال لنفسه فقال انظر الله-سبحانه وتعالى-: "يضل من يشاء ويهدي من يشاء"،  وقال-سبحانه وتعالى-: "إنك لا تهتدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" إلى آخره. راحوا يستقصون هذه الآيات ويغضون الطرف عن الآيات التي تربط الهداية والضلال بالإنسان، أو يؤلونها ليقولوا: "الذي اهتدى اهتدى بقدر الله أي أن قدر الله –سبحانه وتعالى- هو الذي جعله يهتدي"! فالقدر موجد الهداية والقدر موجد للضلال فحين قدر الله-سبحانه وتعالى- لفلان إنه سيهتدي فهذا يعني أنه مجبر على أن يهتدي ولا مدخل لإرادته.

وأيضا من قدر الله-سبحانه وتعالى- عليه أنه سيضل فإنه ضل لأن الله قدر عليه ذلك ولا مدخل لإرادته وإرادته هي مجرد شكل وهم لا أكثر. هذا ولد عندنا مجموعة، جماعات من المسلمين باتوا يشعرون ضمنيا من حيث يدرون أو لا يدرون وبالتالي يتصرفون على هذا الأساس! أنهم لا يمكنوا لهم أن يؤثروا في مجرى الحياة، ولا يمكنهم أن يؤثروا في توجه المجتمع وفي الواقع السياسي، وكما أسلفت أخي الشيخ –عدنان- وذكرتها أنت منذ قليل أنه بنو أمية مثلا استعانوا بهذا الأمر ويعني نحتوا قول –الجهمية- آنذاك -الجبرية- في أن إرادة الله –سبحانه وتعالى- وقدره قضت بأننا وصلنا إلى الحكم فهل تستطيعون أن تغيروا إرادة الله ومشيئته وتقديره؟!

وبالتالي هذه استخدموها لتثبيط همم الناس الذين يعملون على التغير، فمن هنا هذه الأسباب التي دفعت الفريق الآخر الذي أخطأ أيضا في النظر إلى هذه القضايا وهو المعتزلة إلى أن يجعلوا من أساس أو من أركان مذهبهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جعلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساسا في مذهبهم لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نظرهم هو- وهو هذا حقيقة بغض النظر عن أخطاءهم الأخرى- نعم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤثر في المجتمع ويؤدي إلى التغير والله –سبحانه وتعالى- أمر بأن يأمر المؤمنون بالمعروف، وأمر بأن ينهى المؤمنون عن المنكر، وجعل هذا الأمر وهذا المعروف مؤثرا في حياة الناس ، وأنهم يتحملون مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فإن الله-سبحانه وتعالى- يعيدهم بأنهم سيبتلون! بمشكلات في الدنيا وبإثم منه –سبحانه وتعالى- وعذاب يوم القيامة.

"فالقدرية الغيبية" هي تلك التي ترى أن المستقبل كما الماضي مرسوم، محتم، لا يملك الإنسان أن يؤثر به وحتى أن بعضهم عبر "فليحمد ربه ذلك الذي قدره الله-سبحانه وتعالى- من المؤمنين ويا حسرة على ذلك الذين قدرهم الله –سبحانه وتعالى من الكافرين الضالين لأن هذه يعني هذه مشيئة الله وعلينا أن نذعن له، نحمد الله على هدايتنا ويعني الله –سبحانه وتعالى- كفيل وهو له أن يتصرف في عباده، فلا نسأله-سبحانه وتعالى- كيف ضل الضالين ولماذا أضل الضالين! فالله-سبحانه وتعالى- لا يسأل عما يفعل وهم يسألون!" هكذا حولوا الهداية والضلال إلى قدر أو إلى قضاء محتوم لا يمكن للإنسان أن يقرر فيه.

هذا انعكس احباطا لدى كثير من الناس فحين يرون الضلال، أو حين يرون الظلم السياسي، حين يرون الانحراف يشعرون في قرارة أنفسهم أن هذا أمر ليس بيدنا أن نغيره لأنه بقدر! فيقعدون عن التغير وأحيانا تجد الواحد منهم لا ينكر إلا معذرة إلى الله كما يقولون دون أن يحرص على أن يكون عمله ذا نتيجة في الواقع لأن قناعته الضمنية أنه لا يمكن له أن يؤثر أو يغير في الواقع.

هذه هي "القدرية الغيبية" التي تجعل إرادة الإنسان إرادة شكلية لا أثر لها في الواقع إطلاقا.

أما يعني هنا بما أنك ذكرت يا شيخ-عدنان- موضوع الإرادة فربما يتساءل البعض أليس كل شيء بمشيئة الله-سبحانه وتعالى- والله –عز وجل- هو الذي قال: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله" فمادام كل شيء بمشيئة الله-سبحانه وتعالى- ومشيئة الله نافذة فأليس هذا دليل على أن الإنسان مسير بمشيئة الله؟ هذا لأنه فهموا الآيات التي تتعلق بمشيئة الله خطأ! فهم الخطأ! فالله-سبحانه وتعالى- قال: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله" أي لا يمكن لكم أن تختاروا لولا أن الله-سبحانه وتعالى- أعطاكم القدرة على الاختيار وشاء لكم أن تختاروا! فحين اخترتم الهداية فلأن الله-سبحانه وتعالى- شاء لكم أن تختاروا فاخترتم ما تشاءون!

وكذلك حين يختار من ضل الضلال فإنه اختار ليس جبرا عن الله-سبحانه وتعالى- وإنما اختار لأن الله-سبحانه وتعالى- أعطاه القدرة على الاختيار وهذا معنى قوله –تعالى-: "وما تشاءون إلا أن يشاء الله". فمشيئة الله هنا ليست هي أيضا التي أوجدت فعل العبد وإنما مشيئة الله تركت العبد يختار ما يشاء، كمثل الأب الذي ينهى ولده عن فعل ما ولكنه يراه يفعل ويتركه يفعل لحكمة في نفسه وكان قادرا على منعه ففعل الولد ما فعل وخالف أمر والده ليس جبرا عن ولده وإنما بإرادة والده، بإرادة والده أي أن والده تركه يفعل وليس معنى أن والده أراد ذلك! ليس معنى أن إرادة الوالد هي التي جعلته يفعل فحين يترك الأب ابنه يخالف بعد أن نهاه فهذا يعني أن إرادته تركته يفعل وليس إرادته التي جعلته يفعل! فمن هنا أيضا يجب أن نتنبه إلى أن مشيئة الله-سبحانه وتعالى- لا يعني بالضرورة أنها هي التي أوجدت الفعل وإنما تعني أن إرادة الله-سبحانه وتعالى- اقتضت أن يترك للإنسان أن يختار فإن اختار يحاسب على ما اختاره.

عدنان مزيان: أعزائي المشاهدين نحن معكم في برنامجكم "شؤون الأمة" وموضوع حلقتنا "القدرية الغيبية" هذا المفهوم نناقش أثره في حياة الفرد، وفي حياة المجتمع وفي سياسة الدعاة والجماعات والحركات والأمة الإسلامية معنا ضيف كريم من طرابلس مباشرة الأستاذ أحمد القصص، ويسعدنا ويسرنا أن نستقبل أسئلتكم ومشاركتكم بالمداخلات والأفكار والتعليقات على موقعنا على اليوتيوب وكذلك على الفيس بوك، كما نذكركم بأهمية الاشتراك بمواقع القناة، ودعوة من تعرفون ومن تحبون له الخير للاشتراك لكي تنتشر هذه الحلقة وغيرها من المواد التي تنشرها هذه القناة.

أستاذ الكريم هناك شقان في الفهم السيئ للقدر والاتكال عليه، أو الاحتجاج به يعني استحضاره قبل القيام بالعمل فهو على ذلك نسبة اللوم إلى أن الله –سبحانه وتعالى- قد قدر هذا الأمر وما قدره الله سيكون فلا ذنب لنا، هنا كشق فردي قد يقع فيه بعض الأفراد البسطاء مثل: طالب مدرسة يقول إذا كنت..، إذا كان الله قد قدر لي أن أرسب بالامتحان فلما أدرس، وإن كان لي قد قدر أن أنجح في الامتحان فلمَ أدرس! فهو يريد أن يترك العمل متكلا على أن ما قدره الله سيكون، هذا في الشأن الفردي، وهناك رواية في الإسرائيليات أن شيطان جاء إلى سيدنا عيسى-عليه السلام- فقال له ألقي نفسك من فوق جبل فإن قدر الله أن تموت فستموت، وإن قدر أن تحيا فستحيا! فلطمه سيدنا عيسى أو كما في الرواية، وقال له: لا تحتج على الله بقدره. يعني نحن مكلفون بطاعة الله وليس بما علمه الله-سبحانه وتعالى-. لكن في الشق السياسي هناك أمر أيضا له وجهان هناك من يقعد عن العمل بعلمه بأن هناك ملاحم، هناك بعد الخير شر هو أخبر عنه الرسول-عليه الصلاة والسلام- وأننا في زمن تكثر فيه الفتن، ويكثر فيه الفساد وهو ينتظر المهدي! إلى أن يأتي المهدي حتى بعض الفرق من فرق المسلمين قالوا: لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو تغير الفساد لأن النبي أخبر بأن الأرض ستملأ جورا فيملئها المهدي عدلا بعد أن تملأ جورا فلا بد أن تبقى هكذا! وهناك شق من الدعاة ومن الحركات الإسلامية بلغ بها التفاؤل ببعض الأحاديث وبعض البشارات العامة التي لا تحدد وقتا، "وعد الله الذين آمنوا منكم وعمل الصالحات ليستخلفنهم في الأرض" ما قال غدا أو السنة القادمة، ما بين متى هناك أحاديث قد تصح على هذا الزمان أو ربما أبعد من ذلك، هناك أحاديث صحيحة، هناك ما هو متواتر قطعي ولكن هناك ما هو آحاد، هناك ما هو حسن، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة بعد الحكم الجبري ما حدد متى تكون!؟ فبشدة تفاؤلهم أن هذا الأمر وهذا الخير قادم جلسوا كأنهم محللين سياسيين يقولون الخير قادم والأمة ستنتصر ومهما حل في الأمة ستنتصر! طيب، ماذا تفعل أنت لتغير؟ لسا مسئولين عن النتائج فبالتالي يترك الأعمال التي تؤدي إلى النصر، يعني التي طلبها الله-سبحانه وتعالى- بحيث إنها تتجه في طريق ما طلبه الله-سبحانه وتعالى- من شروط النصر، متكلا على البشارات بالخير. فهناك من يرى السوء ويقول لا حاجة، لا معنى للعمل، وهناك من يرى الخير قادما فيقول أيضا النصر قادم حتى لو تكاسلنا أو حتى لو قصرنا!

عن هذه الأمور يعني أمور كثيرة لكن الوقت لا يتسع لتفاصيل .

أحمد القصص: نعم، في الحقيقة ما ذكرته أخي عدنان هو هذا النوع من الاتكالية الموجودة عند المسلمين، وفي الغالب ما يعبر عنه بانتظار المهدي، هو ناشئ من جهة عن تسلل "القدرية الغيبية" إلى نفوس المسلمين، فيرى البعض أنه لا يمكن إطلاقا أن يغير هذا الواقع لأنه بقدر من الله-سبحانه وتعالى- وأن قدر الله-عز وجل- الذي نعرفه أنه سيكون في المستقبل المهدي فتتغير الأوضاع، هذه الفكرة التي .. طبعا كثير ومعظم المسلمين ينفون عن أنفسهم تهمة "القدرية الغيبية" ولكن "القدرية الغيبية" ليست دائما قرارا فكريا بقدر أحيانا ما هي بقدر ما هي في بعض الأحيان حالة نفسية تتسلل إلى نفوس بعض الناس ويمارسونها من حيث لا يدرون!

هذا جانب دفع المسلمين إلى الاتكالية على أخبار المهدي، وانتظار المهدي إلى آخره. الجانب الآخر للأسف أن كثيرا من المسلمين لجأوا إلى فكرة المهدي نتيجة احباطهم ويأسهم من تغير الواقع الذي يعيشونه! الواقع قاس، أليم، دول الكفر مطبقة على بلاد المسلمين، الأنظمة الضالة التي حكمت بلاد المسلمين الأنظمة القمعية التي تعمل نيابة عن الدول الكبرى المستعمرة لبلادنا قمعت الناس، منعت الناس من أن يعبروا عن آرائهم، منعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فككت الأحزاب السياسية، منعت العمل للسياسي، أوجدت نوع من الشرذمة والأجواء الملوثة والأجواء المعقدة التي تجعل عملية التغير معقدة، قامت محاولات للتغير منذ عشرات السنين وباءت بالفشل، كل هذه الظروف أوجدت نوعا من الإحباط واليأس عند كثير من المسلمين حتى وصلوا إلى نتيجة مفادها "أنه لا يمكن أن نغير هذا الواقع اطلاقا، لأننا لا نملك القوة على تغيره، فالكفار أحاط بنا من كل جانب، والمنافقون أحاطوا بنا من كل جانب، وهذه الأمة الآن لا تملك من الأسباب المادية ما يؤهلها لكي تغير!، إذا ليس لنا أمل إلا بأن يأتي المهدي" وهذا أيضا يشير إلى أمر مهم، يشير إلى خطأ كبير عند المسلمين أنهم ينظرون إلى المهدي وكأنه شخصية يوحى إليها! وكأنه ملك ينزل من السماء فيشار إليه بالأصابع هذا المهدي فيتجمع حوله الناس فيسيرون وراءه وكأن القضية هي معجزة من المعجزات، ينظرون إلى المهدي على أنه يعني معجزة من المعجزات، وكأنه أيضا تجدد لعصر النبوة. مع العلم أنه حتى الأنبياء لم ينصرهم الله-سبحانه وتعالى- دون أن يقوموا بجهد بشري من أجل أن يغيروا، وحتى أن كثير من الأنبياء قاموا بالجهد البشري، وقاموا بما عليهم من واجب، ولكن الهداية ليست بأيديهم! فلم تستجب لهم المجتمعات، فلم يحصل تغير، وهذا مثال سيدنا نوح –عليه السلام- أبرز مثال أنه بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم فلا يستجيبون، وهذا لا يعني ضعفا في سيدنا نوح، وإنما يعني هؤلاء الناس لم يستجيبوا، فقام بما عليه.

النبي محمد-صلى الله عليه وسلم- بعث، والله-سبحانه وتعالى- كان قد وعده بالتغير، وكان النبي-صلى الله عليه وسلم- قد بشر المؤمنين بأن راية الإسلام ستعلو وأنه ستكون السيادة للإسلام في الأرض وأن السلطان سيكون للأمة، ولكن هذا لم يكن بمعجزة، المعجزة فقط كانت من أجل الدلالة القطعية على نبوة الرسول –صلى الله عليه  وسلم- ولم ينصر النبي –صلى الله عليه وسلم- بمعجزة إطلاقا، وإنما قام النبي-صلى الله عليه وسلم- ومعه صحابته الكرام بما ينبغي العمل به من أجب تحقيق التغير في المجتمع، فأخذ بالأسباب، وأخذوا معه بالأسباب وعملوا على تكوين مقومات المجتمع الإسلامي، ومقومات الدولة الإسلامية، فقامت الدولة الإسلامية.

هذا إن كان النبي-صلى الله عليه وسلم- لا ينصره الله-عز وجل- إلا بعد أن يقوم بالواجب، والله-سبحانه وتعال- هو الذي يقول: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، "وعد الله الذين ...

عدنان مزيان: حتى النبي-عليه الصلاة والسلام- في معركة الأحزاب، في معركة الأحزاب الشهيرة كان يبشر المؤمنين في شدة ضعفهم بأن روما ستفتح، وبأن القسطنطينية ستفتح، وبأن كسرى ستفتح، وكان المنافقون يقولون: غر ذلك، غر هؤلاء دينهم!  فدينهم.

فهذه النظرة لم تورث عند الصحابة قعودا إنما أورثت عندهم تخطيطا وتدبيرا ما أرسلوا جيوشا ضعيفة إنما كانوا يرسلون كبار الفرسان ويرتبون الأمر ترتيبا يؤدي إلى تحقيق الغاية، يعني القضية قضية فهم.

اليوم ليس الموضوع متوقف في موضوع المهدي يعني المهدي العلماء قالوا فيه إنما صح فيه من الأحاديث ليس صريحا وما صرح فيه الأحاديث ليس صحيحا، الذي يعول عليه، يعني أنا سمعت أحد الدكاترة لن أذكر اسما من الدعاة الإسلامية، من المشهورين وهو دكتور في التاريخ قال: بأن الخلافة التي تتحدثون عنها هي زمن سيدنا عيسى-عليه السلام- عندما ينزل هو سيكون ذلك الخليفة الذي سيأتي بعد الحكم الجبري، فلا تضيعوا جهود الشباب، ولا تضيعوا الدماء، ولا تضيعوا... في هذا في بحث عن الخلافة التي ستنزل زمن يعني الفهم الذي يعني هنا هذا سؤال مهم جدا قبل أن آخذ أسئلة الأخوة، فهم خطاب التكليف، وخطاب الغيب بطريقة تتعارض ثم يقدم خطاب الغيب على خطاب التكليف! هذه إشكالية لا بد من تفكيكها، لا بد من فهمها، وسأعطي مثالا:

هناك من يتحدث عن هجرة بني اسرائيل إلى فلسطين، "فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا"، قال: هذا دليل على اقتراب النصر، فلا يصح أن نقوم بأعمال تعطل هذه الهجرة مع أن التكليف يأمر بطرد هؤلاء وبتخويفهم، وبتعطيل هذه الهجرة! فهذه المفارقة كيف تحدثنا عنها من حيث التأصيل الفكري، والموضوع النفسي عند هؤلاء؟

أحمد القصص: هناك مقولة شهيرة أظنها تنسب للإمام جعفر الصادق-رضي الله تعالى عنه- يقول فيها: "هناك أمور أريدت بنا، وهناك أمور أريدت منا، فلا ننشغل بما أريد بنا عما أريد منا" الله –سبحانه وتعالى- كلفنا خطاب التكليف افعل، لا تفعل، أو خير بين الفعل والترك، نحن مسئولون أمام الله-سبحانه وتعالى- عما أمرنا به، وعما نهانا عنه ولسا مسئولين عما هو كائن من غير إرادتنا ففي أحاديث النبي-صلى الله عليه وسلم- وكذلك في القرآن الكريم، ثمة أخبار عن الغيب، وثمة أخبار عن المستقبل في هذه الدنيا لم نصل إليه، هذه الأخبار يحولها البعض إلى خطاب تكليف وهذا خطأ، حين يخبرنا النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه في وقت، في يوم من الأيام سوف تفتح روما، وسوف تفتح القسطنطينية هذا لا يعني أن أقول طالما أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قد أخبر وبشر فلا علي ولا أشغل نفسي لأنها خلص انتهى الأمر سوف يتم ما وعد به النبي-صلى الله عليه وسلم- وإنما هذه كانت من المبشرات أنكم أيها المؤمنون موعودون بذلك فهذا داخل ضمن استطاعتكم، وداخل ضمن ما هو ممكن، فإياكم في يوم من الأيام أن تستكثروا ذلك لأنكم، لأن أنتم موعودون به، ولذلك كانت ردة فعل قادة المسلمين منذ العهود الإسلامية الأولى أنهم بذلوا جهودهم لفتح القسطنطينية! وبدأ ذلك منذ عهد الأموين، بل بدء ذلك منذ عهد عثمان –رضي الله تعالى عنه- واستمر! وبقي كثير من القادة مئات السنين يحاولون نيل هذا الشرغ إلى أن تحقق بعد حوالي ثمانية قرون مع سلطان عثماني شاب السلطان-محمد الثاني-، إذا المبشرات هنا من حديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- تدفع المؤمن إلى الثقة والأمل فيفعل! يفعل وفق ماذا؟ يفعل وفق ما أمر الله-سبحانه وتعالى- ونبيه-صلى الله عليه وسلم- وأيضا ينتهي عما نهى.

فما يجب علينا أن نفعله هو ليس ما أخبرنا بأنه كائن، ما يجب علينا أن نفعله هو ما أمر الله –سبحانه وتعالى- به وما يجب أن ننتهي عنه، ليس ما يأسنا منه، وإنما ما نهى الله ورسوله-صلى الله عليه وسلم- عنه، "وما أتاكم من النبي فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".

عدنان مزيان: ربما يحضرني مثال هنا في ثورة الشام، استحضر أحد المشايخ الذين هم يؤيدون الثورة حديث الرسول –عليه الصلاة والسلام- : "تصالحون الروم صلحا آمنا" ثم برر بذلك التحالف مع أمريكا، وتحالف مع الذين كانوا يزعمون أنهم ضد بشار طبعا بشكل، حتى اتضحت الصورة أنهم اتضحت لهم طبعا! بالنسبة لنا حذرنا من اللحظة الأولى أنه عميل لهم، اتضحت أن القضية لا علاقة للحديث بمناط البحث، وكانت فكرة التحالف مع الأمريكان ومع هذه الأنظمة ضد بشار هي ليست فقط يعني انتحارا سياسيا بل أيضا خيانة لله ورسوله وللمؤمنين.

لو أذنت أن أخذ بعض أسئلة الجمهور سفينة التغير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وعليكم السلام ورحمة اله وبركاته، بارك الله فيكم وسدد خطاكم، منذ أواخر العهد العباسي بدأت فكرة "القدرية الغيبية" لا أدري هل هذا التاريخ صحيح الذي ذكره السؤال، ربما في العصر الأموي، وبدأت فكرة "القدرية الغيبية" وسيلة للاعتقاد بالقضاء والقدر وطبعا كانت نتائجها وخيمة على المسلمين من جهل وكسل وقعود وتقاعس حتى أنهم رضوا بالظلم والفقر وبالذل وللأسف بالمعاصي، والمعاصي تسيطر على أعمالهم لاستسلامهم للقدرية الغيبية، سؤالي هل هذه الفكرة أو لهذه الفكرة، مازالت مسيطرة على عقول المسلمين خصوصا بعد هذه الثورات التي حصلت؟ هل ألغت الثورات هذا المفهوم؟ هذا سؤال، وسؤال آخر أيضا في السياق الأخ نبيل كريم بوركتم وبوركت جهودكم الطيبة: كما تعلمون لم تكن القدرية الغيبية بمفهومها اليوم في عهد الصحابة لذلك فتحوا الأمصار بالسيف سؤالي: خطر القدرية الغيبية على الأمة كبير جدا فما هو السبيل لإخراج الأمة من هذه الدوامة وإقناعاها أن الإيمان بها شيء والركون لها شيء آخر؟

أحمد القصص: نعم، فكرة القدرية الغيبية من حيث هي مذهب معلن كما كانت لدى المذهب الأول في هذا الجانب الذي هو الجبرية، أو الجهمية، هو غير موجود اليوم، يعني لا نسمع عن فرق تعلن علنا ولا بشكل واضح أنها تؤمن بفكرة الجبر وأنها ممن يحمل فكرة القدرية الغيبية، ولكن فكرة ولكن الفكرة من حيث المضمون ما زالت موجودة في نفوس المسلمين، في عقولهم، في مفاهيمهم بقيت مستمرة منذ مئات السنين، ولا سيما حين عمد الأشاعرة إلى القول أيضا بأن القدر هو موجد لأفعال العباد وأن الإنسان إنما يحاسب لا لأنه فعل الفعل وإنما لأنه كسب الفعل!  فغلفت فكرة الجبرية بهذا الكلام، فقالوا: الإنسان لا يفعل فعل بإرادته وإنما يريد الفعل عند موعد حصوله الذي قدره الله سبحانه وتعالى- فالله –عز وجل- هو الفاعل وليس العبد وإنما تقترن الإرادة بالفعل فيكسب الإنسان كما يقولون هذا الفعل يستحق عليه الثواب أو العقاب. فعمليا بقيت مستحكمة في النفوس القناعة بأن الإنسان ليس هو الذي يقوم بالفعل وترتب على ذلك أنه ليس الإنسان قادرا على أن يغير الواقع الذي يعيشه ولا سيما الواقع السياسي، واقع المجتمعات، واقع البشرية، فهذا يأتي بتقدير مسبق وبتصميم مسبق من الله-سبحانه وتعالى- وأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل شيئا، ومن هنا حين تتكلم مع كثير من المسلمين بأنه يجب أن يكون هناك مل للتغير وأن هذا التغير لا يمكن أن يحصل إلا بعمل جماعي فورا يعمد إلى الرد عليه، هذا يعني كالمنهج الذي يروجه الآن من يسمون بالمداخل: أنه أن طاعة الحكام الحالين واجبة لأن الله-سبحانه وتعالى- أمر بطاعة ولاة الأمر مطلقا وأن العمل الحزبي حرام! وبالتالي هم عمليا يقولون أنت أيها، أنتم أيها المسلمون لا مدخل لكم إلى التغير فالتغير يأتي من الله-سبحانه وتعالى- وبناء عليه يفسرون خطأ قوله سبحانه وتعالى-: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض" فسروا هذه الآية تفسيرا جائرا بأن قالوا: عليك أن تعمل الصالحات والصالحات بنظرهم هي العبادات الفردية، من صلاة وصيام وقيام وووإلى آخره، ولا يدخلون بها عمل العمل السياسية للتغير! ولا العمل الجماعي للتغير، فإذا قمت بهذه الأعمال الصالحات من عبادة وتصدق وقيام ليل ووو إلى آخره أعطاك الله –سبحانه وتعالى- الاستخلاف هدية! فإقامة الدين وإقامة الشرع، وإقامة الدولة الإسلامية والكفاح السياسي من أجل تغير الواقع هذا ليس موجودا في قاموسهم إطلاقا! بل الكفاح السياسي في نظرهم حرام! الكفاح السياسي الذي قام به الأنبياء، قام به النبي-صلى اله عليه وسلم- في مواجهة قريش، وقام به الصحابة الكرام معه فواجهوا زعماء قريش إلى آخره، والأحاديث التي تأمر بمحاسبة الحاكم، وأطره على الحق أطر! كل هذه ليست موجودة في قاموسهم وإنما الواجب أن تخضع وأن تخنع لهؤلاء الحكام، بل بعضهم أظهر نوعا من الشماتة بالثورات قال انظر ما الذي فعلته هذه الثورات؟ أنها أدت إلى مقتل مليون إنسان في سوريا، وأدت إلى تدمير ليبيا، وأدت إلى تدمير اليمن تبا للثورات كما يقولون هذه ثورات لأنكم خرجتم عن طاعة أولياء الأمور فوصلتم إلى هنا!


الفئات:
» شؤون الأمة

قنوات: برامج الواقية |